أبو علي سينا
277
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
إحداها أن الإدراك إنما يكون - بمقارنة صورة المدرك للمدرك - والثانية أن المدرك إن كان مدركا بذاته - كانت المقارنة بحصول الصورة في ذاته - وإن كان مدركا بآلة - كانت بحصولها في آلته - وهذان مما مر بيانهما في النمط الثالث - والثالثة أن الأمور الجسمانية - لا يمكن أن تكون فاعلة إلا بواسطة أجسامها - التي هي موضوعاتها - فإذن تلك الأجسام آلاتها في أفعالها - وهذا مما مر بيانه في النمط السادس - والرابعة أن الأمور المتحدة في الماهية - لا تتغاير إلا بسبب اقترانها بأمور متغايرة - إما مادية كتغاير الأشخاص المتفقة بالنوع - أو غير مادية كتغاير الأنواع المتفقة بالجنس - أو بسبب اقتران البعض بشيء وتجرد البعض عنه - وذلك الشيء إما مادي - وهو كتغاير الإنسان الجزئي للإنسان - من حيث هو طبيعة أو غير مادي - كتغاير الإنسان الكلي للإنسان من حيث هو طبيعة - ويتبين من ذلك امتناع تغاير الأشخاص المتفقة بالنوع - من غير تغاير المواد وما يجري مجراها - على ما تبين في النمط الرابع -
--> فقلت : الدليل على وجوب تعدد المواد وهو انه يجب أن يكون ثمة شئ يقبل تأثير الفاعل قائم هاهنا . فقيل : لا تأثير هاهنا . فإنه باق والباقي لا يحتاج إلى تجديد مؤثر . وفيه نظر ظاهر لان مطلق التأثير هو الذي يحتاج إلى قابل لا التأثير على الابتداء . والصواب أن يقال : المراد المادة الجسمية وما يجرى مجراها المجردات لاشخاص العلوم . ثم حرر الحجة بان القوة العقلية لو كانت حالة في الجسم لكانت اما دائمة التعقل له أو دائمة اللاتعقل والتالي باطل بقسميه : اما بطلان التالي فلان الانسان يتعقل أعضائه في وقت دون وقت ، واما بيان الشرطية فلانها على ذلك التقدير لو تعقلت في بعض الأوقات كان تعقلها لذلك الجسم بحصول صورته وتلك الصورة تكون في ذلك الجسم لان ادراك تلك القوة بواسطة ذلك الجسم فيكون آلة للادراك والادراك بالآلة بحصول الصورة في الآلة . فيلزم اجتماع المثلين : أحدهما ذلك الجسم ، والاخر صورته المعقولة . وهو محال لاستحالة تعدد الاشخاص النوعية من غير تعدد المواد . وهذا القدر كاف في الاستدلال لان الانقسام لما انحصرت في الثلاثة على تقدير كون العلة العقلية جسمانية اما أن يكون الجسم معلوما دائما ، أو غير معلوم دائما ، أو معلوما في وقت دون وقت . ولما بطل القسم الثالث كان أحد القسمين لازما لا محالة . وحينئذ يكون قول الشيخ : فاذن هذه الصورة التي بها يصير القوة المتعقلة متعقلة لآلتها . إلى قوله : أو لا يحتمل التعقل أصلا . مستدركا لا دخل له في الاستدلال ، ولكن توجيه كلام الشيخ ليس ما ذكره ؛ بل أن يقال : لو كانت القوة العقلية منطبعة